السيدة زينب عقيلة بني هاشم بنت علي بن أبي طالب
ووالدة علي الزينبي بن عبدالله بن جعفر الطيار
السيدة الهاشمية النبيلة إبنة فاطمة الزهراء وسبطة رسول الله كريمة الأصول في الحسب والدين والفضيلة ، ولدت في سنة 5 هـ بالمدينة المنورة وهي حازمة عاقلة لبيبة، شهدت أحداث خلافة أبيها علي بن أبي طالب صلى الله عليه وآله وسلم ، واشتهرت بالفصاحة والجرأة ومواقفها كثيرة خاصة أمام عبيد الله بن زياد المشهور بتنكيله ببني هاشم قاتله الله ، وعلى أرجح الأقوال أنها توفيت سنة 62هـ بالمدينة بالرغم من وجود مقامات لها في دمشق والقاهرة تزار الى يومنا ، وفي ذلك اختلف العلماء والله تعالى أعلم.
أما جدها فهو نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد الأولين والآخرين وأفضل ما خلق الله من البشر، وأبوها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فارس وخليفة المسلمين وسيد من أسياد الصحابة الكرام، أما زوجها فهو عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، السيد العالم أبو جعفر القرشي الهاشمي، السخي الجواد بن الجواد ذي الجناحين، له صحبة ورواية رضي الله عنه وأخواها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وريحانتا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أما عمها وحماها فهو سيدنا جعفر(الطيار) بن أبي طالب أحد نجباء الصحابة وشجعانهم وأحد أجواد بني هاشم والصحابة وكرماء الدنيا رضي الله عنه .
هذه هي زينب العقيلة سليلة بني هاشم من الأشراف الشرفاء التي قال عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أمها:-" فاطمة بضعةُ مني " ، وهي الحبيبة الى قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكريمة المنزلة لديه مع الخالدين بحضرة النبي في جنان الخلد ورياض الجنة.
تزوجت من ابن عمها عبدالله بن جعفر الطيار الجواد بن الجواد السيد العالم من السادة الكبراء والسيد الشهم النبيل ، سخياً جواداً كريماً يفيض من بحر الجود والمعروف ، وله أخبار كثيرة في البذل والجود ذكرناها في غير هذا الموضع ، وكان ابن عمر إذا سلم عليه قال : السلام عليك يا ابن ذي الجناحين ، فولدت له : علي (الزينبي نسبة لأمه )، وعون الأكبر وعباس ومحمد وأم كلثوم ، فنشأوا أكرم نشأة حتى أصبحوا كلهم من أعلام العلماء وحفظة الحديث النبوي الشريف، وروُا عن أبيهم عبدالله بن جعفر، فكانوا من علماء الثقاة، وكان العقب للسيدة زينب وذريتها من ولدها علي الزينبي فقط دون أخوته المذكورين ، فقد قتل عون الأكبر ومحمد في الطف مع خالهما الحسين رحمه الله دون عقب ، كذلك توفي عباس بن عبدالله دون عقب أيضاً.
شهدت زينب أحداث كثيرة في خلافة أبيها علي بن أبي طالب وكانت بصحبته مع زوجها عبدالله في الكوفة بالعراق ، وعبدالله أحد فرسانه الشجعان في موقعة صفين ، قال عنه أبو عبيدة عامر بن الجراح : كان على قريش وأسد وكنانة يوم صفين عبدالله بن جعفر.
وبعد استشهاد أبيها عليّ رضي الله عنه بأكثر من عشرين سنة شهدت أيضاً مقتل واستشهاد أخيها الحسين بن علي بالعراق في كربلاء يوم عاشوراء سنة 61هـ، كما قُتِل عدد كبير من أهل بيتها وما نجا سوى علي الأصغر زين العابدين بن الحسين ، وحسن بن حسن بن علي وله ذرية، وعمرو بن حسن بن علي ، والقاسم بن عبدالله بن جعفر ومحمد وعقيل، وزينب وفاطمة ابنتي علي ، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين وزوجته الرباب والدة سكينة ، وأم محمد بنت الحسن بن علي وإماء لهن. وقد وُجد الحسين شهيداً وفيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة غير رمية، وروي عن محمد بن الحنفية قال: قتل مع الحسين سبعة عشر رجلاً كلهم من أولاد فاطمة.
وعن الحسن البصري قال:- قتل مع الحسين ستة عشر رجلاً كلهم من أهل بيته ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه . وذكر آخرون أنه قتل مع الحسن من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلاً ، فمن أولاد علي رضي الله عنهم : جعفر والحسين والعباس ومحمد وعثمان وأبو بكر، ومن أولاد الحسين :- علي الأكبر وعبد الله . ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة:- عبدالله والقاسم وأبو بكر، ومن أولاد عبدالله بن جعفر بن أبي طالب اثنان:- عون ومحمد ، وغيرهما آخرون من أولاد زينب. أما من أولاد عقيل بن أبي طالب :- جعفر وعبدالله وعبد الرحمن ومسلم وغيرهم.
وفي تلك الحادثة من مقتل الحسين رحمه الله وبعد مرور يومين جيئ ببناته وأخواته وحُملوا ومن معهم من الصبيان وأُركبوا الرواحل في الهوادج مروراً في أرض القتلى، واجتازوا بهم على الحسين وأصحابه رحمهم الله مطروحين صرعى على أرض كربلاء من العراق، حتى انفجرت النساء بالبكاء والنحيب على مشهد مروع في مجزرة أليمة بشعة آلت الى صراخ النساء ونعيب ولطم، حتى صاحت زينب رضي الله عنها وندبت أخاها الحسين وأهلها ممن كانوا معه، فأنشئت تقول وهي تبكيهم:- يا محمداه ، يا محمداه ، صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعراء ، مزمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، يا محمداه ، وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليها الصبا…!!. ونتيجة ندب زينب وبكائها أخاها الحسين أبكت كل عدوٍ وصديق.
ولما انتهت تلك المجزرة الأليمة في كربلاء نقلت زينب وأهل بيتها الى الكوفة ، فقد كانت زينب سيدة هاشمية ذات طراز فريد بين النساء ممن عاصرن فترة النبوة وعصر الخلافة الراشدة وصدر الدولة الأموية، فقد عُرف عنها الشجاعة العظيمة والعقل الراجح اللبيب والرأي الصائب ، وأنها لا تخاف الكلام حتى في أصعب المواقف حرجاً ، حيث تتحدث بكل جرأة وقوة وثبات ، وإليك مثال دامغ على ذلك فيما حصل من حدث لم ولن تستطيع أي نساء الدنيا الوقوف كهذا الموقف الذي وقفته زينب أمام عبيد الله بن زياد قاتل أخيها وأهل بيتها، حين أُدخلت عليه وأهلها وقد لبست أرذل ثيابها، وقد حفّت بها إمائها متنكرة، فقال عبيد الله بن زياد:- من هذه الجالسة ؟ وأشار الى زينب، التي لم تنطق بحرف واحد ، فردد ثلاثاً وهي لا تكلمه، حتى قال بعض إمائها:- هذه زينب بنت فاطمة. فقال لها عبيد الله بن زياد:-الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم!، فأجابته زينب في لهجة حادةٍ حازمة :- بل الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيراً، لا كما تقول يا ابن زياد، وإنما يفتضح الفاسق ويُكذب الفاجر.
فقال ابن زياد وقد كسرت شوكته:- فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟، فردت عليه بلهجة أشد وأقوى :- كُتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فيحاجوك الى الله عزوجل.
وما إن سمع ابن زياد هذا الكلام من السّيدة الحازمة زينب رضي الله عنها حتى استشاط غضباً وظهرت عليه سورته، فقال له عمرو بن حريث : أصلح الله الأمير ، إنما هي امرأة ، وهل تؤأخذ المرأة بشيء من منطقها ؟ إنها لا تؤأخذ بما تقول، ولا تلام على خَطَل. فقال ابن زياد لزينب:- لقد شفى الله غيظي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك.
سمعت زينب كلام هذا الرجل الظالم القاتل فبكت رضي الله عنها ثم قالت بحزم:- لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرزت أهلي، وقطعت فرعي، وأجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.
فتعجب ابن زياد من جرأتها ووجم قليلاً ثم قال: هذه شجاعة، لعمري لقد كان أبوك شجاعاً ! ويقصد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فقالت زينب بشيء من السخرية : ما للمرأة وللشجاعة! (1) .
ثم بعد ذلك أراد عبيدالله بن زياد أن يقتل علي بن الحسين الذي قال له: ومن توكل بهذه النسوة ؟ فلم يرد ابن زياد ، فتعلقت زينب بابن أخيها علي بن الحسين رحمه الله واعتنقته وقالت :- يا ابن زياد ، حسبك منا ما فعلت بنا، أما رويت من دمائنا ؟ وهل أبقيت منا أحداً ؟ أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لتقتلني معه.
ثم قال علي بن الحسين:- يا ابن زياد إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام.
فأخذ ابن زياد ينظر الى زينب وأهلها فأطال، ثم قال:- عجباً للرحم ! والله إني لأظن أنها وذّت لو أني قتلتها معه، دعوا الغلام ينطلق مع نساءه (2) ، ثم أمر بزينب ونساء الحسين وصبيانه وبناته فجهزهم وأرسلهم الى الشام الى يزيد بن معاوية ، فكان لزينب هناك مشهد آخر وموقف جريء لا يقل روعة عن موقفها أمام ابن زياد في الحزم والجرأة والشجاعة .
وصل آل الحسين دمشق حتى دخلوا على يزيد بن معاوية وكانت هيئتهم رثّة من السفر، حتى رآهم يزيد بن معاوية الذي استحيا من ذلك ، فأكرمهم وأحسن إليهم حتى جرت المحاورة التالية بينه وبين زينب بنت علي رضي الله عنها بحزمها ورجاحة عقلها وشجاعتها في مثل هذه المواقف وبشهادةٍ من بعض أهلها.
روي عن فاطمة بنت علي ( أخت زينب لأبيها ) أنها قالت :- " لما جلسنا بين يدي يزيد ، رق لنا ، وأمر لنا بشيء وألطفنا ، ثم إن رجلاً من أهل الشام أحمر قام الى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه (ويعنيني) وكنت جارية وضيئة، فارتعدت فزعة من قوله، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذتُ بثياب أختي زينب (وكانت أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز) فقالت لذلك الرجل : كذبت والله ولؤمت ما ذلك لك وله، فغضب يزيد فقال لها : كذبت ! والله إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت. قالت زينب بحزم وجرأة :- كلا يا يزيد، والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملّـتنا وتدين بغير ديننا. عند ذلك غضب يزيد غضباً شديداً حتى احمر وجهه واضطرب حتى كاد يستطير من شدة الهياج فقال لزينب : إياي تستقبلين بهذا؟! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك… ، فقالت زينب في حزم يدلُّ على عقل وقوة جَنان (3) :- بدين الله ، ودين أبي ، ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك. قال يزيد في حدة أقل من الأولى : كذبت يا عدوة الله ، فقالت زينب :- أنت أميرالمؤمنين مُسَلّط تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك".
تقول فاطمة بنت علي راوية هذا الخبر :- فوالله لكأن يزيد بن معاوية استحى فسكت . " ثم قال ذلك الرجل مرة أخرى : يا أمير المؤمنين هب لي هذه ( وأشار إلي ثانية) فقال له يزيد : أغرب وهب الله لك حتفاً قاضياً ، وأمره بالسكوت ، ثم التفت يزيد بن معاوية الى النعمان بن بشير رضي الله عنه (4) وأمره أن يبعث مع آل البيت النبوي الى المدينة رجلاً من الأمناء الأوفياء وبصحبته رجال وخيل وعدة وسلاح (5) ، ثم أمر بنساء أهل البيت وفيهم زينب فأدخلوهن على نسائه وحريمه في دار الخلافة ، ثم قامت مناحة ومأتم على الحسين رحمه الله وصحبه لمدة ثلاثة أيام ، فبكت نساء معاوية وزوجة يزيد وأم كلثوم بنت عبد الله بن عامر ، فقال يزيد : حقّ لها أن تعول على كبير قريش وسيدها".
وفي تلك الأيام كان يزيد لا يجلس الى طعامه إلا ومعه علي بن الحسين وأخوه عمر بن الحسين، فكان يكرمهما ويلطف بهما وكان يعتذر الى علي بن الحسين عما حدث وقال له: إن الله قد قضى ما رأيت .
ولما انتهت الأيام الثلاثة ودعهم يزيد وجهزهم وأعطاهم مالاً كثيراً وكساهم، وأوصى بهم ذلك الرجل الشامي التقي مرافقهم في سفرهم ( غير الأول الشامي الأحمر) وقال له : كاتبني بكل حاجة تكون لك .
وكان ذلك الرجل مستوصياً تقياً نقياً محباً لأهل البيت النبوي الطاهر، فمن أدب ذلك الرجل أنه عندما كان يسير معهن في القافلة بمعزل من الطريق على مبعدة عنهن لا يدركنه إلا طرفه، وهو في خدمتهم حتى وصلوا المدينة المنورة، ولما كانت زينب وأختها فاطمة ومن معهن من النساء يقدرن شهامة ذلك الرجل الطاهر، فقالت فاطمة لأختها زينب : يا أختي إن هذا الرجل الذي أرسل معنا قد أحسن صحبتنا فهل لك أن نصله ونكرمه ؟ فقالت زينب : والله يا أختي ما معنا شيء نصله به إلا حليّنا، فقالتا معاً:- نعطيه حليّنا .
فأخذت كل واحدة ما معها من سوار ودملج وبعثتا به إليه، واعتذرتا إليه وقالتا: هذا جزاؤك بحسن صحبتك معنا وإخلاصك في سفرناهذا ولو كان معنا أكثر لبعثنا به لك ، ولكن الرجل الشامي قال في هدوء وعيناه تدمعان : والله لو كان الذي صنعت معكم إنما هو للدنيا كان هذا الذي أرسلتموه ما يرضيني وزيادة، ولكن والله ما فعلت ذلك إلا لله تعالى ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم رد إليهما حليهما وأبى أن يأخذ شيئاً منه، وطلب منهما الدعاء له وقفل راجعاً من حيث أتى بعد أن زار المسجد النبوي الشريف.
عادت زينب وأختها الى المدينة بعد أن دفنتا أخيهما الحسين رضي الله عنه بكربلاء من العراق كذلك ولديها الشهيدين عون ومحمد مع خالهما الحسين ، بينما كان أبوهما عبد الله بن جعفر في المدينة قد تلقى نعي ولديه بالصبر والتسليم لقضاء الله وقدره.
وقد جاء أنه روى ابن الأثير في كتابه " الكامل" هذا الخبر عن سماحة وصبر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال:- لما بلغ عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قتل ابنيه مع الحسين رضي الله عنه دخل عليه بعض مواليه يعزيه، والناس يعزونه فقال مولاه :- هذا ما لقيناه من الحسين ، فحذفه ابن جعفر بنعله وقال:- يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا ؟ والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أُقتل معه، والله إنه لمما يُسَخّي بنفسي عنهما ويهون علي المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسين له صابرين معه، ثم قال:- إن لم تكن آست الحسين يديّ فقد آساه ولديّ (6) .
كانت زينب رضي الله عنها سبطة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحدة من المحدثات اللاتي روين الحديث النبوي الشريف وحدثت عن غيرهن ونقلت العلم الى الناس وشُداة المعرفة ، فقد حدّثت زينب عن أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما حدّثت عن أم زوجها عبد الله بن جعفر وهي أسماء بنت عميس رضي الله عنها زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، كما حدّثت عن مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسمه – طهمان أو ذكوان- كما حدّث عنها عدد من جلة العلماء والفقهاء والتابعين ، وروى عنها محمد بن عمرو وعطاء بن السائب من الرجال، أما من روى عنها من النساء : إبنة أخيها فاطمة بنت الحسين بن علي وهي إحدى سيدات نساء عصر التابعين فقهاً وعلماً وإحدى النسوة القدوة في تاريخ النساء (7) .
ومما روي عن السيدة زينب رضي الله عنها ما أخرجه ابن عساكر رحمه الله بسنده عن روايتها عطاء بن السائب قال:- دلّني أبو جعفر على امرأة يقال لها زينب بنت علي (أو من بنات علي) قالت :- حّثني مولى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقال له طهمان أو ذكوان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:- " إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ، وإن مولى القوم منهم" (8) .
وما تركته زينب رضي الله عنها ورحمها الله من العطاء والحكم والتراث ما تفيض به من ثروة فكرية رائعة تلهج الألسنة بها ذكراً وحمداً في دنيا نساء البيت النبوي خاصة ودنيا نساء الصحابة عامة، ولقد بارك الله تعالى في ذريتها حيث أخرج منها الكثير الطيب وذكر العديد من علماء النسب أن ذرية زينب ابنة علي موجودة بكثرة في مختلف البلاد، سواء أكانوا من نسل ابنها علي الزينبي بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم، أو من نسل أخوة علي الآخرون.
وقد جاء في كتاب نساء أهل البيت لأحمد خليل جمعة نقلاً عن العديد من كتب علماء النسب :-" أن ذرية زينب بنت علي رضي الله عنها لها خصائص البيت النبوي، قال العلماء: ويُتكلم على ذرية زينب بنت علي من عشرة وجوه، نورد منها: أنهم من آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته بالاجماع لأن آله هم المؤمنون من بني هاشم والمطلب، وعبد الله بن جعفر زوج زينب هاشمي، وأنهم من ذريته وأولاده بالاجماع ،لأن أولاد بنات الانسان معدودين في ذريته وأولاده، وأنهم تحرم الصدقة عليهم لأن بني جعفر من الآل قطعاً ".
ونظراً للعديد من الخصائص الفاضلة للسيدة زينب والمكانة الكبيرة في قلوب الناس على مر العصور فقد شغلت سيرتها جانباً هاماً من تراثنا وتاريخنا ، فقد امتدحها العديد من الشعراء والأدباء بنثرهم وشعرهم اعترافاً منهم بمكانتها وفضلها في عِقدِ آل البيت النبوي الطاهر.
ولما عادت زينب الى المدينة المنورة بعد استشهاد الحسين وولديها ، عاشت أكثر من سنة مرعية الجانب مكرّمة من مجتمع المسلمين في المدينة ممن بقي من الصحابة الكرام، حيث كانت إحدى مراجع العلم في البيت النبوي الطاهر حتى توفيت رضي الله عنها سنة 62 هـ كما روتها المصادر، وأما موقع دفنها رحمها الله تعالى ففيه خلاف بين المؤرخين، فبعضهم يقول دفنت في البقيع بالمدينة المنورة، والبعض يذكر فيما أشارت اليه أغلب المصادر أنها دفنت بمصر ومقامها بالقاهرة مشهور، والبعض الآخر ذكر دفنها بالشام، وهذا خطأ بالتأكيد ولا يؤيد المؤرخين ذلك، بل ذهب بعضهم للقول أنه مقام أختها أم كلثوم زينب الوسطى.
ومع ذلك فلا يوجد أقوال قاطعة ويقينة في هذا الموضوع، فقد صدرت دراسة علمية حديثة أثبتت أن مقامها في القاهرة بمصر أيضاً باطل حيث ذكرت الدراسة أن موقع المقام المشهور في القاهرة كان فيما مضى من فترة وفاة السيدة زينب أي عام 62هـ وحتى ثلاثماءة سنة لاحقة كان الموقع يغمره مياه نهر النيل وأنه بعد ذلك كان بقية لما يسمى ببحيرة قارون وبقاياها موجودة إلى الآن، وهذا الكلام منطقياً صحيح حسب البحث العلمي، ولكن قد يكون الواقع مغاير لذلك والله تعالى أعلم . لكن الحال ينفي ذلك فأغلب المؤرخين يؤيدون وفاتها في مصر حيث ورد أنها أقامت فترة قصيرة في المدينة ثم رحلت الى مصر ليتوفاها الله في شهر رجب عام 62هـ ، وسبب عدم بقائها في المدينة يعود (كما ورد في كتاب نساء هاشميات لبنت الشاطئ ) أن وجود السيدة زينب في المدينة كافياً لأن يلهب الحزن على الشهداء ويؤلب الناس على الطغاة مثل يزيد بن معاوية وغيره من بني أمية.
وحتى لا يفسد الأمر على بني أمية ويزيد بن معاوية فقد وصله كتاب من والي المدينة ينصحه ويحثه ضد زينب ويقول فيه : (إن وجودها بين أهل المدينة مهيج للخواطر وأنها فصيحة عاقلة لبيبة، وقد عزمت ومن معها للأخذ بثأر أخيها الحسين)، فاستشاط يزيد وأمر بتفريق البقية الباقية من آل البيت في أمصار الأرض، حتى لا يؤثر بقائها ويؤلب الناس عليه، وهذا من المنطق بحال أكيد ، حيث لا يُعقل أن تبقى زينب في المدينة في حِجرِ وعقر يزيد تؤلب الناس وتثيرهم عليه! ولا يُعقل أيضاً بأن يرضى يزيد بوجود ألد أعدائه بقربه بعد ما فعل بها وبأخوتها ما فعل! فكان الحل إخراجها من وِكرِهِ ونفيها لأبعد مكان لا تعرف فيه أحداً.
وهكذا كان، حيث تحرك والي المدينة يأتمر بأمر يزيد ويطلب من زينب بالخروج من المدينة وتقيم حيث تشاء، لكنها قالت غاضبة :" قد علم والله ما صار إلينا ، قتل خيرنا وسيق الباقون كما تساق الأنعام، وحملنا على الأقتاب، فوالله لا خرجنا وان أريقت دماؤنا"، لكن نساء بني هاشم أشفقن عليها وتلطفن إليها ونصحنها بالخروج الى بلدٍ آمن، فلم تجد زينب بُدّا ، فخرجت زينب ومن معها من مدينة رسول الله جدّها حيث لا تدري أنها لن تراها بعد ذلك أبداً.
يممت زينب وجهها باتجاه مصر في رحلةِ سفرٍ طويلة متعبة مليئة بالقهر والكآبة وجرحاً غائراً لا يندمل، ونساء بني هاشم يواسينها ويتلطفن بها، إلى أن وصلت أرض النيل مع بزوغ هلال شعبان عام 61هـ حيث استقبلتها جموع الناس قرب قرية بلبيس ووافاها باستقبال حافل أمير مصر (مسلمة بن مخلد الأنصاري) في وفد من أعيان البلاد وعلمائها، حيث رافقها الركب الى العاصمة المصرية، ثم الى دار مسلمة التي أقامت بها قرابة عام واحد حتى أتاها قضاء الله تعالى وقدره، ووافتها المنية في يوم الأحد14 رجب عام 62هـ على أرجح الأقوال، فكانت هذه الأرض مرقداً لها وقبراً مباركاً مزاراً الى يومنا هذا حسب رأي كثير من المؤرخين، والله تعالى أعلم أي المواضع من الأرض كان مقامها فعلاً .
راجع كتب السير والتاريخ لمزيد من سرد وتفصيل عن سيرة حياة السيدة زينب وتاريخها العريق وأثرها الكبير في البيت النبوي الشريف ، وكتابنا (السيدة النرجسة زينب العقيلة ).
(1) كما جاء في كتاب نساء أهل البيت عن الكامل ص81 و82 – والبداية والنهاية 8/193 بتصرف .(2) عن البداية والنهاية 8/194 بتصرف كما جاء في كتاب نساء أهل البيت ص 642.
(3) قال ابن الأثير في أسد الغابة :- كانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة.
(4) النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي، الأمير العالم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن صاحبه، ولد النعمان سنة اثنتين من الهجرة، وعدّ من الصحابة الصبيان باتفاق. كان من أمراء معاوية، ولاّة الكوفة مدة ثم ولي قضاء دمشق ثم حمص. قتل في قرية "بيرين" بعد وقعة مرج راهط في آخر سنة 64هـ ويبلغ مسنده 114 حديثاً ، وأحاديثه مروية في الصحاح رضي الله عنه - سير أعلام النبلاء 3/311 و 312 . هامش1ص644 نساء أهل البيت .
(5) هامش2 ص 644 نساء أهل البيت عن البداية والنهاية 8/194و 195 ، وسير أعلام النبلاء 3/309و310 ، تراجم النساء ص122و123.
(6) الكامل لابن الأثير 4/89.
(8) نساء أهل البيت ص647، عن تاريخ مدينة دمشق- وتراجم النساء ص120. وفي صحيح مسلم ما يتوافق مع هذا القول ، إذ أخرج بسنده عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :-" إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس"، " وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد "، أخرجه في الزكاة برقم 1072- أنظر في صحيحه من رقم 1069 و1070و1071و1072 ثم شرحه في باب تحريم الزكاة على رسول الله وبنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم برقم50-51 وذلك في الجزء السابع من صحيح مسلم.