السيد الشريف عبدالله الجواد بن جعفر الطيار بن أبي طالب
هو عبدالله الأكبر الجواد بن جعفر بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم الهاشمي القرشي. وهو أحد أجواد بني هاشم الأربعة وهم الحسن والحسين وعبدالله بن العباس وعبدالله بن جعفر الطيار، ولم يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طفلاً غيره وغير إبني بنته الحسن والحسين وعبد الله بن العباس، وقد عاش تسعين سنة وقيل غير ذلك، وقد سُمي بحر الجود لجوده وسخائه الذي لا ينضب، وهو محدث وكان أهل المدينة يتداينون على قدومه.
وروي عن عبدالله بن الطيار انه قال: أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنعي أبينا جعفر فدخل علينا وقال لأمنا أسماء بنت عميس " أين بنو أخي؟ " فدعانا وأجلسنا بين يديه، وذرفت عيناه فقالت أسماء: "هل بلغك يا رسول الله عن جعفر شيء؟" قال:- نعم استشهد رحمه الله، فبكت وولولت وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما كان بعد ثلاثة أيام دخل علينا صلوات الله عليه ودعانا فأجلسنا بين يديه كأننا أفراخ (يحيطون به يعنقهم بكل حنان) وقال:- "لا تبكين على أخي (يعني جعفراً ) بعد اليوم"، ثم دعا بالحلاق فحلق رؤوسنا وعقَّ عنّا فَضة ؛ ثم أخذ بيد محمد وقال: "هذا شبه عمنا أبي طالب" وقال لعون:- "هذا شبيه أبيه خلقاً وخُلقاً" وأخذ بيديَّ فشالهما، وقال:" اللهم احفظ جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقته" ثلاث مرات، فجائته أٌمُنا تبكي وتذكر يتمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :- " أتخافين عليهم وأنا وليُّهُم في الدنيا والآخرة .. وهم من عِترتي التي انا منها ؟! ".
والعِترة هي : الأصل، و- نسل الرجل وعشيرته ورهطه وآله وأهل بيته وما تفرعت منه الشُعَب وفروع أعقابه ، وفي رواية (.. شجرتي التي أنا منها) رواه الحاكم في مستدركه في كتاب معرفة الصحابة.
وورد في مسند أحمد في حديث حِب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد قال : حدثنا عبدالله حدثني أبي حدثنا أحمد بن عبدالملك حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة عن أبيه قال: اجتمع جعفر وعلي وزيد بن حارثة فقال جعفر: أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال علي: أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال زيد: أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نسأله ، فقال أسامة بن زيد: فجاؤوا يسأذنونه فقال: اخرج فانظر من هؤلاء فقلت هذا جعفر وعلي وزيد ما اقول أبي قال: ائذن لهم ، ودخلوا فقالوا: من أحب إليك، قال: فاطمة قالوا: نسألك عن الرجال قال: (أما أنت يا جعفر فأشبه خلقك خلقي وأشبه خلقي خلقك وأنت مني وشجرتي (1) ، وأما أنت يا علي فـ خَتَني (2) وأبو ولدي وأنا منك وأنت مني، وأما أنت يا زيد فمولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي).
وفي قول آخر : جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمع محمد وعون وعبدالله ومسح النبي على رؤوسهم حين نعي أبيهم ودعا لهم وقال: أنا وليهم في الدنيا والآخرة . رواه الطبراني في المعجم الكبير 1461، ورواه أحمد 1750 والحاكم في المستدرك3/298 وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وهو صحيح على شرط مسلم.
كان عمر بن الخطاب اذا سلم على عبدالله بن جعفر يقول :- السلام عليك يا ابن ذي الجناحين ، وكان ابن عمر يقول له ذلك ايضاً.
وكان لعبد الله هذا في الجود أخبار كثيرة وحوادث حتى أنه لُقِّب بقطب السخاء، ويروى أنه لِيمَ في جوده فقال:-
لستُ أخشى قـلةَ العَـدَم ما اتقين الله في كَرَمي
كلُّ ما أنـفقتُ يُخـلِـفُــه لي ربٌّ واســــــــعُ النِّعَـمِ
ومن احدى ما روي عن جوده أنه خرج يوما الى ضيعة فنزل على نخيل قوم فرأى غلام يقوم عليها وقد أتى بثلاثة أقراص من الخبز وقد دنا منه كلب ، فرمى إليه بالقرص فأكله ثم رمى اليه الثاني ثم الثالث فأكلهما، وعبدالله رضي الله عنه ينظر اليه ثم قال له : يا غلام كم قوتك كل يوم ؟ ، قال: ما رأيت . قال عبدالله : فما كنت صانعا اليوم، قال الغلام :- أطوي يومي هذا، فقال عبدالله :- والله إن هذا لأسخى مني . فاشترى عبدالله بن جعفر النخل والغلام وأعتقه ووهب النخل له .
ولد عبدالله في الحبشة سنة 10 قبل الهجرة ثم توفي بعدها بثمانين سنة وله من العمر تسعون سنة، وكان ميلاده بعد النبوة بثلاث سنين فكان عمره عند الهجرة عشرة سنين (80هـ –699م أو700م) وصلى عليه إبان بن عثمان بن عفان ودفن بالبقيع في المدينة، وقيل مات بالأبواء سنة تسعين وصلى عليه سليمان بن عبدالملك أيام خلافته ودفن بالأبواء. قال الشيخ أبو الحسن العمرى :- " مات عبدالله في زمن عبدالملك بن مروان وله تسعون سنة".
وقد كثر خيره ونما ماله واتسع بدعاء النبي له " اللهم بارك لعبد الله في صفقته". ولازم عمه علي بن أبي طالب فأفاد منه عِلماً وتَبَصُّراً في دقائق الأمور، وحضر معه صفين، وعقد له يوم الجمل على عشرة آلاف، وحظي بعده بإمامية الحسن والحسين، وكثيراً ما استماله معاويةفما وجد فيه إلا رجلاً صلب الايمان عارفاً بالحق والهدى مائلاً عن سفاسف الملحدين، فكثرت فيه القالة ، وتوسع أتباع الهوى في الحط من قدره بأحاديث لا نصيب لها من الحقيقة شيء، ويكفينا في القناعة بذلك ما يحدّثه إبن الأثير في (الكامل) في حوادث البصرة والنجف الأشرف بالعراق سنة 60هـ من قوله لغلامه لما ورد نعي إبنيه حيث قال له غلامه: "هذا ما لقينا من الحسين". فغضب وحذفه بنعله وقال له: " يا إبن اللخناء أتقول هذا للحسين؟ والله لو شهدته لما فارقته حتى أقتل معه، والله انه لمما يسخى بنفسي عنهما، ويهون المصاب بها أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسين له صابرين معه، وان لم تكن آست الحسين يدي فقد سآه ولدَيْ"، وكان تأخره عن حضور الطفّ ذِهاب بصره ، قال الزبيري في نسب قريش : وتوفي سنة 80هـ 699م وعمره تسعين سنة في عام الجحاف وهو سيل كان ببطن مكة، أتى الحاجّ وذهب بالإبل وعليها الحمولة، وكان يومئذ إبان بن عثمان بن عفان والي المدينة في خلافة عبدالملك بن مروان وقد صلى عليه. ورئي على قبره مكتوب: " الطويل "
مقيمٌ إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة وتنسى كما تبلى وأنت حبيب
ولبني جعفر الطيار إخوة لأُمهم وهم:- يحيى بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق.
أعقب عبدالله بن جعفر بن أبي طالب عشرين ذكراً وقيل أربعة وعشرينمنهم :- معاوية بن عبدالله كان وصي أبيه وإنما سُمي معاوية لأن معاوية بن أبي سفيان طلب منه ذلك، فبذل له مائة الف درهم وقيل الف الف، ومنهم علي الزينبي أمه زينب بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم ومنهم اسحاق العريضي أمه أم ولد، ومنهم اسماعيل الزاهد قتيل بني أمية وهم الأربعة المعقبون من ولد عبدالله بن جعفر إلا أن معاوية واسماعيل قد انقرض عقبهما من ولدهم، قال ابن عنبة في العمدة ص 56-57 : وقد نص على انقراض عقب معاوية واسماعيل النقيب تاج الدين محمد بن معية الحسني وغيره من النسابة المتأخرين، ومنهم اسماعيل بن عبدالله بن الحسين بن عبدالله بن اسماعيل بن عبدالله بن جعفرالطيار وقتل في وقعة هَوَدان الديلمي.
قال ابن عنبة في عمدة الطالب ص 57 – والزبيدي في الروض المعطار ص6 : فعقب عبدالله الجواد الباقي من اثنين، علي الزينبي واسحاق العريضي لا عقب له من غيرهما . وعن الزبير بن بكار: ما عدا معاوية واسحاق وعلي الزينبي من أولاد عبدالله بن جعفر لا عقب لهم، نقل ذلك عن الحافظ السخاوي في استجلاب الفرق، وعن أبي عبدالله الزبيري أيضاً في نسب قريش ص83 : أن العقب من ولد عبدالله بن جعفر لعلي ومعاوية واسحاق واسماعيل بني عبد الله بن جعفر وليس لسائر ولد عبدالله عقب وقد انقرض ولد جعفر إلا من هؤلاء.
وفي مقاتل الطالبيين : لعبد الله بن جعفر الطيار من الولد أيضاً :- عَون الأكبر وأمه زينب بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحمد وقتلهما يزيد بن معاوية لعدم بيعتهم له ودفنوا بكربلاء من أرض العراق سنة 61هـ، وفي قول آخر (3) عن أحمد بن عيسى عن الحسين بن نصر عن أبيه عن عمر بن سعد عن أبي مخنف بن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم:-أن عبدالله بن قطنة التيهاني قد قتل عون بن عبدالله بن جعفر وأنه قتل مع الحسين بن علي . وعبيدالله وأبو بكر وعون الأصغر وهؤلاء جميعهم ماتوا قتلاً إما بحرب وإما غدراً رحمهم الله ورضي عنهم، ومنهم الحسين بن عبدالله بن اسماعيل بن عبدالله بن جعفر الطيار وقتل ضرباً بالسوط، ومنهم عبدالله بن الحسين بن عبدالله بن اسماعيل بن عبدالله بن جعفر الطيار ومات بحبسه بسر من رأى لامتناعه من لبس السواد بدلاً من العمة الخضراء. والقاسم وعيسى وحميد ومحمد وعبد الله وأبو بكر وعون الأكبر ويحيى وصالح وهارون وجعفر الأكبر وبه يكنى، وعون الأصغر قتل بالطف وعبدالله الأصغر ومحمد الأصغر قتل بالطف، وموسى وصالح الأصغر.
(1) في المعجم الوسيط ج1 ص 491و492 قال : (شَجَّرَ ) النبات : صار شجراً ، والأرضَ: غرس فيها الشجرَ. (مو) و- الثوب ونحوه: رَسَمَ فيه صورة الشّجر . والنّسَبَ ونحوه : فصّله في بيان على صورة شجرة. (مو) والنخل: وضع قنوانه على الجريد لئلا تنكسر. وقال أيضاً : (الشّجَر) : نبات يقوم على ساق صُلبة ، ويطلق على النبات المعمر منه القائم على ساق خشبية عارية ، واحدته : شجرة ، ويقال : هو من شجرة طيبة من أصل كريم ، وشجرة النسب : بيانٌ يفصّل على صورة شجرة يُبدأ فيها بالجد الأعلى ثم من يتفرع.
(2) في المعجم الوسيط ص 226 قال : خَتَنُ : كل من كان من قِبَل المرأة كأبيها وأخيها، وكذلك زوج البنت أو زوج الأخت.
(3) مقاتل الطالبيين ص91،124، وذكر الأصفهاني أن ابن الحبيب ذكر في المحبر في باب من نصب رأسه من الأشراف ص941 "ومحمد وعون إبنا عبداللهبن جعفر، حُملت رؤوسهم الى يزيد بن معاوية فنصبها بالشام " رحمهم الله .
الشريف الإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبدالواحد بن علي بن سرور
هو(1) الإمام الحافط ،الزاهد العابد الصابر، حافظ الإسلام، أوحد زمانه في علم الحديث والحفظ ، المجاهد لإحياء مذهب السلف وإعادة المسلمين اليه، أبو محمد تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع (وقد أوردتها بعض المصادر نافع وهذا خطأ)(2) بن الحسن بن جعفر الجماعيلي (أو الجماعيني)(3) المقدسي ثم الدمشقي الجعفري الهاشمي القرشي.
(4) ولد الشريف الشيخ الإمام الحافظ عبد الغني في شهر ربيع أول سنة 541هـ - 1146م بجماعين (وقيل جماعيل) من جبل نابلس ، وقال المنذوي :- ذكر أصحاب الإمام الحافظ ما يدل على أن مولده في 544، وذكر ابن النجار أنه سأل الحافظ عبد الغني عن مولده فقال الإمام :- أما في ثلاث أو أربع وأربعين وخمسماية، والأظهر أنه في أربع وأربعين .
حفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم الإسلامية في بلده حتى الثامنة من عمره حيث استولى الصليبيون على بلاد فلسطين حيث كانت قبل ذلك تحت حكم الظافر العبيدي، حينها هاجر والد الإمام بالأسرة كلها إلى دمشق فاراً بدينه ودعوته الإسلامية بعد سنة 550هـ وكان معه في هجرته ابنا خالته موفق الدين عبدالله والشيخ أبي عمر، وكان الحافظ يكبرهما بأربعة شهور، ونزلت الأسرة في مسجد أبي صالح بظاهر الباب الشرقي لدمشق التي لم يتحملوا رطوبتها فانتقلوا إلى سفح قاسيون بعد سنتين، وقد سميت البقعة التي نزلوا بها بـ "الصالحية" نسبة لِما عَرف أهل دمشق عن هذه الأسرة من الصلاح والتقوى والعلم، وكانت قبل ذلك تسمى بـ " قرية الجبل" .
بعد استقرار الأسرة بدمشق واصل الحافظ عبد الغني دراسته حتى بلوغه العشرين من عمره، وقد أخذ عن علماء دمشق مثل أبو المكارم عبدالواحد بن أبي طاهر محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال الأزدي الدمشقي، وأبو عبدالله محمد بن أبي الصقر القرشي الشروطي الدمشقي، وأبو المعالي عبدالله بن عبدالرحمن بن أحمد بن علي بن صابر الدمشقي وغيرهم .
وبعد هجرته إلى دمشق سنة 551هـ (5) واجتهاده بطلب العلم من أكابر العلماء فكان بذلك إماماً حافظاً متقناً ثقة وهو صاحب التصانيف، وقد رحل وطاف في البلاد وكتب الكثير وسمع الكثير، وقد كان أحد أكابر أهل الحديث الشريف وأعيان حُفّاظهم متـناً وإسناداً .
قام الحافظ برحلة علمية الى بغداد بصحبة ابن خالته موفق الدين عبدالله بن أحمد ابن قدامة سنة561 وقصدا أولاً الشيخ العالم القدوة عبدالقادر الجيلاني(ولد471- وتوفي561هـ) فأقام بها أربع سنين بعد وفاة الجيلاني الذي كان حينها يراعيهما ويحسن إليهما ، قال الحافظ بن كثير:- فأنزلهما عبدالقادر عنده في المدرسة، حيث كان لا يترك أحداً ينزل عنده ، ولكنه توسم فيهما الخير والنجابة والصلاح فأكرمهما وأسمعهما ، وكانا يقرآن عليه كل يوم درسين فيقرأ الموفق من الخرقي ويقرأ الحافظ من الهداية ، وبعد ذلك بخمسين ليلة توفي الشيخ عبد القادر رحمه الله ، فكان حينها الحافظ عبد الغني يميل إلى الحديث وأسماء الرجال ، وميل الموفق إلى الفقه ، حيث اشتغلا على الشيخ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي الصديقي ، وعلى شيخ الحنابلة فقيه العراق وناصح الإسلام أبي الفتح نصر بن فتيان بن مطر النهرواني الشهير بابن المنى ، وعلى مسند العراق هبة الله الحسن بن هلال الدقاق ، والشيخ المسند أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان المعروف بابن البطي البغدادي البزاز، وأبي زرعة طاهر بن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ثم الهمذاني، وأبي بكر أحمد بن المقرب الكرخي، وبعد أربع سنوات في طلب العلم عادا الى دمشق، ثم ذهب الحافظ عبد الغني إلى مصر والقاهرة سنة 566هـ أقام فيها مدة ثم عاد إلى دمشق ثم عاد مرة أخرى إلى الإسكندرية سنة 570هـ أقام فيها عند الحافظ أبي طاهر عماد الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني وسمع منه ، ويُقدَر ما كتبه ونقله عنه في مدة ثلاث سنوات بنحو ألف جزء ، وقد روى الحافظ ضياء الدين المقدسي عن أبي الثناء محمود بن همام قال: سمعت أبا عبدالله محمد بن أميرك الجويني المحدث يقول:- ما سمعت السلفي يقول لأحد " الحافظ " إلا لعبد الغني المقدسي .
وخلال إقامة عبد الغني في مصر سمع من أبي محمد عبد الله بن برى النحوي ومن ابن هبة الله الكامل وغيرهما حيث عاد بعدها إلى دمشق.
بعد ذلك قام الحافظ عبدالغني برحلة طويلة إلى الجزيرة والعراق وإيران ، ففي الموصل أخذ العلم عن خطيبها أبي الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبدالقادر الطوسي ثم البغدادي ، وفي همذان أخذ عن شيخ الإسلام الحافظ أبا موسى محمد بن أبي بكر بن عمر بن أحمد بن عمر المدني الأصبهاني، والحافظ أبا سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ الأصبهاني ، وقد حصل في أصبهان على الكتب الجيدة ، وسرى فيها السيرة الحميدة والمكانة المرموقة بما رأوا من علمه الجليل وتقواه العظيمة.
قال الحافظ عبد الغني :- أضافني رجل بأصبهان ، فلما قمنا إلى الصلاة كان هناك رجل لم يُصلِّ فقيل هو من عُبّاد الشمس ، فضاق بذلك صدري ، ثم قمت بالليل أصلي والشمسيّ يستمع ، فلما كان بعد أيام جاء إليّ من أضافني وقال:- إن الشمسيّ يرفض أن يُسلِم ، فمضيت إليه فأسلم ، وقال:- من تلك الليلة لما سمعتك تقرأ القرآن وقع الإسلام في قلبي .
قال الضياء المقدسي: سمعت محمود بن سلامة الحراني التاجر بأصبهان يقول:- كان الحافظ عبدالغني نازلاً عندي بأصبهان وما كان ينام الليل إلا قليلاً، بل يصلي ويقرأ أو يبكي إلى السحور، وقال(6) أيضاً:- كان الحافظ يخرج فيصطف الناس بالسوق ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها من شدة حبهم له ورغبتهم فيه. وفي رحلته إلى أصفهان(7) في إيران أحبه أهلها حباً شديداً وقيل أنه لو أقام فيها مدة أخرى وأراد أن يملكها لملكها من شدة حبهم له ورغبتهم فيه، وهو أول من نزل مصر من أئمة الحنابلة(8) (ممن تبعوا وتفقهوا المذهب الحنبلي).
قال الحافظ الضياء (9) :- سمعت شيخنا الحافظ عبدالغني يقول:- كنت يوماً بأصبهان عند الحافظ أبي موسى فجرى بيني وبين الحاضرين منازعة في حديث فقال:- هو في صحيح البخاري، فقلت: ليس هو فيه، فكتب الحديث في رقعة ورفعها إلى الحافظ أبي موسى يسأله عنه، فناولني الحافظ أبي موسى الرقعة وقال:- ما تقول؟ هل هذا الحديث في البخاري أم لا ؟ قلت: لا، فخجل الرجل وسكت.
فلما كان بأصبهان وكان قد اطلع على كتاب الحافظ أبي نعيم (معرفة الصحابة ) قام فألف كتابه (تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة) نقد به كتاب أبي نعيم في مائة وتسعين موضعاً ، ثم اجتمع أعلام أصبهان وحفاظها فأملاه عليهم ، ولكن بني الجندي في أصبهان غضبوا من نقد الحافظ عبد الغني لمفخرة بلدهم الحافظ أبي نعيم وثاروا عليه فاضطر الخروج من أصبهان مختفياً، أما في الموصل فقد سمع كتاب العقيلي في الجرح والتعديل، فثار عليه الحنفية بسبب ما في هذا الكتاب من أبي حنيفة، فخرج من الموصل خائفاً يترقب.
ولما عاد إلى دمشق تلقاه أهلها بالبشر والحبور، وأفاد شبابها من علمه القدير وإيمانه القوي وصلاحه وتقواه ، قال الحافظ الضياء:- كان شيخنا الحافظ لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره وبينه ، وذكر صحته أو سقمه ، ولا يسأل عن رجل من رجال الرواية والعلم إلا قال هو فلان ابن فلان ويذكر نسبه. قال الحافظ ابن رجب: وأنا أقول:- كان الحافظ عبد الغني المقدسي أمير المؤمنين في الحديث.
ومن صفاته وفضائله(10) قال الضياء : كان شيخنا الحافظ لا يكاد يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة، فكان يصلي الفجر ثم يلقن الناس القرآن الكريم وربما شيئاً من الحديث ثم يقوم ويتوضأ فيُصَلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر ثم ينام نومة يسيرة إلى وقت الظهر ثم يشتغل بعد الصلاة بتسميع الحديث أو بالتأليف والكتابة إلى المغرب، فإن كان صائماً أفطر بعد المغرب، وإن كان مفطراً صلى من المغرب إلى العشاء الآخرة، ثم نام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كمن أحداً يوقظه فيتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، وربما يتوضأ في ليله سبع أو ثمان مرات أو أكثر، وكان يقول:- ما تطيب لي صلاة إلا مادامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، ولم يَرِد أنه صلى صلاتين مفروضتين بوضوء واحد.
وفي أيام الجمعة كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة في رواق الحنابلة من مسجد بني أمية ( الجامع الأموي في دمشق ) فيجتمع الناس عليه وإليه ، أما ليلة الخميس فيقرأ في مسجد دمشق أيضا وقد اجتمع عليه خلقٌ كثير، وقد كان رحمه الله رقيق القلب سريع الدمعة، يقرأ ويبكي الناس معه، فحصل له القبول من الناس جداً، ومن حضر مجلسه مرة لا يكاد يتركه حتى حسده بنو الزكي والدولعي وفقهاء الشافعية وبعض الحنابلة، وكان لذلك أثره في الفتنة التي لحقت به رحمه الله.
كان الحافظ عبد الغني لا يخشى إلا الله جل وعلا ، فكان لا يرى منكراً إلا وغيره بيده ، لا تأخذه في الله لومة لائم . حدّث أبو بكر بن أحمد الطحان قال :- كان في دولة الأفضل بن صلاح الدين أن جعلوا الملاهي على درج جيرون خارج الباب الشرقي من مسجد دمشق، ومر الحافظ يوماً من تلك الناحية فكسّرَ شيئاً كثيراً منها، ثم جاء فصعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء إليه رسول من القاضي يأمره بالمشي إليه حتى يناظره الدف والشبابة، فقال له الحافظ: ذلك عندي حرام، وقال:-أنا لا أمشي إليه إن كان له حاجة فيجيء هو، ثم عاد إلى قراءة الحديث، فعاد الرسول فقال :- يقول القاضي لابد من المشي إليه أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ للرسول :- ضرب الله رقبته ورقبة السلطان، قال:- فمضى الرسول، وخفنا أن تجري فتنة، قال:- فما جاء أحد بعد ذلك
كان الحافظ رحمه الله ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الشعر كث اللحية ، واسع الجبين ، عظيم الخُلق ، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، وفي آواخر عُمرِه كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والنسخ والمطالعة.
ومن ثناء أهل العلم والأكابر عليه قال الحافظ ضياء الدين : سألت خالي الموفق عن الحافظ عبد الغني ، فكتب بخطه وقرأت عليه :" كان جامعاً للعلم والعمل ، كان رفيقي في الصبا وفي طلب العلم ، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل ، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم إياه وقيامهم عليه ، ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة ، إلا انه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها رحمه الله ". وقال الحافظ عبد القادر الزهاوي لعبد الغني الهاشمي : سمعت وسمعنا ، وحفظت ونسينا . وقال أبو محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني بمرو:- سمعت أبا اليمن تاج الدين الكندي يقول: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبدالغني. وقال الإمام أبو نزار ربيعة بن الحسن اليمني الشافعي :- رأيت الحافظ السلفي والحافظ أبا موسى ، وكان الحافظ عبدالغني أحفظ منهما، ذكر ذلك الإمام الفقيه مكي بن عمر المصري في كتاب خاص ألفه في فضائل الحافظ عبد الغني .
وقال الإمام أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن عبد الجبارالمقدسي:- سمعت الحافظ يقول : سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد فرزقني صلاته. قال : ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي .
ومن أخبار الفتنة التي حلت به رحمه الله أنه لما كان يقرأ الحديث بمسجد دمشق ويجتمع الخلق عليه وينتفعون بمجالسته ، حسده بعض طلاب العلم الذين شرعوا يعملون وقتاً في الجامع يجتمعون عليه فيقرأ عليهم الحديث ليصرفوا الخلق عن مجلس الحافظ . فاتفق الحافظ والناصح أن يختلفا للوقت فيجلس الناصح بعد صلاة الجمعة والحافظ بعد صلاة العصر، وفي إحدى الجمع دسّ هؤلاء رجلاً ناقص العقل من بيت ابن عساكر فقال للناصح:- انك تقول الكذب على المنبر ، فضرب الناس الرجل . وذهب مدبروا الفتنه الى الوالي وقالوا له:- هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة واعتقادهم يخالف اعتقادنا، ثم جمعوا كبرائهم ومضوا إلى الوالي في القلعة وقالوا :- نشتهي ان يحضر الحافظ عبد الغني . قال الضياء المقدسي:- وكان مشايخنا قد سمعوا بذلك فانحدروا إلى دمشق وقالوا للحافظ:- أقعد أنت لا تجيء فانك حاد ونحن نكفيك، فاتفق أنهم أرسلوا للحافظ من القلعة فأخذوه وناظروه، وكان أجهلهم يغري به، فاحتدّى . واستصدروا أمراً من الوالي فكسروا منبر الحافظ من الجامع ومنعوا الحنابلة من الصلاة في الجامع.
ثم إن الناصح بن الحنبلي جمع السِّوَقَة وغيرهم وقال :- إن لم يخلونا نصلي باختيارهم صلينا بغير اختيارهم ، فبلغ ذلك القاضي (وكان هو صاحب الفتنة ) فأذن لهم بالصلاة ، وقد خاف أن يصلوا بغير إذنه .
ولما ضاق صدر الحافظ عبدالغني مضى إلى بعلبك سنة 595هـ وأقام بها مدة يقرأ الحديث حيث توجه إلى مصر بعد ذلك وتوفي بها يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 600هـ 1204م ودفن بالقرافة بمصر عند أبي عمرو بن مرزوق يستجاب عنده الدعاء .
وقد رثاه أحدهم بقوله:-
يا أصدقَ الناسِ في بدوٍ وفي حضر وأحفظ النـاس فيما قالت الرسلُ
إن يحسدوك فلا تعبـأ بقائلـــــــهم هُم الغـثاء وأنتَ السـيدُ البـــطلُ
وقال عنه ابن ناصر الدين:- هو محدث الإسلام وأحد الأئمة البارزين ذا ورع وعبادة وتمسك بالآثار وآمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي آخر ولاية العزيز أبي الفتح عثمان بن السلطان صلاح الدين جاء شاب من دمشق إلى مصر يحمل فتاوى المخالفين من الذين أثاروا الفتنة على الحافظ عبد الغني ومعه كتب إلى العزيز عثمان بأن الحنابلة يقولون كذا وكذا ، وكان العزيز يتأهب للخروج إلى الإسكندرية ، فقال لحامل الفتاوى :- إذا رجعنا من هذه السفرة أخرجنا من بلادنا من يقول بهذه المقالة ، ولكن العزيزعثمان لم يعد إلى مصر فقد عدا به الفرس وهو خلف الصيد فشب به وسقط عليه فخسف صدره ومات .
ثم أرسلوا إلى الأفضل بن صلاح الدين (وكان بصرخد) فجاء وأخذ مصر ثم ذهب الى دمشق ، فلقي بالطريق الحافظ عبد الغني الذي أكرمه إكراماً كثيراً وبعث يوصي به في مصر . ولما وصل الحافظ إلى مصر (الفسطاط وجامع أبي عمرو ) تُلُقِيَ بالبِشر والإكرام ، ونزل فيها على تلاميذه آل الطحان ، وأقام بها يُسمع الحديث بمواضع منها وبالقاهرة . قال الضياء :- وسمعت بعض من حضر مجلسه بمصر بمسجد المصنع يقول :- إن الناس بكوا حتى غشى على بعضهم ، وقال بعض المصريين : ما كنا إلا مثل الأموات حتى جاء الحافظ فأخرجنا من القبور .
وفي آخر مدته بمصر حدثت المجاعة والغلاء سنة 596هـ والتي بعدها ، فبعث الملك الأفضل الى الحافظ بنفقة وقمح كثير ، ففرق الجميع . وكان يخرج في الليل بقفاف الدقيق إلى منازل أهل العفة والكفاف فيضع قفى الدقيق أمام الباب ويقرعه ، فإذا علم بأن أهل البيت جاءوا ليفتحوا ترك ما معه ومضى لئلا يُعرف ، وهذا من جمل كرمه الجم لئلا تعلم شماله بما تفعل يمينه .
بعد ذلك جاء الملك العادل وأخذ مصر ، فأكثر المخالفون من التحامل عنده على الحافظ ، قال الضياء :- وسمعت أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. ولما سافر العادل إلى دمشق وبقي الحافظ بمصر ، والمخالفون لا يتركون الكلام فيه، فعزم الملك الكامل على إخراجه من مصر، فاعتقل في داره سبع ليال، فقال :- ما وجدت راحة في مصر مثل تلك الليالي .
وبعدها صدر الأمر من الملك الكامل إلى الحافظ أن يكتب اعتقاده، فكتب:- أعتقد كذا لقول الله تعالى كذا ، وأقول كذا لقول رسول الله كذا … حتى فرغ من المسائل التي يشفع بها المخالفون . فلما وقف الكامل على ما كتبه الحافظ قال:- إيش في هذا ؟ يقول بقول الله عز وجل وقول رسول الله، فخلى سبيله عنه. ثم ثار الفقهاء لحقدهم عليه مرة أخرى ، وكتبوا إلى الوزير صفي الدين بن شكر فأمر بنفيه الى المغرب ، ولكنه توفي قبل وصول الكتاب رحمه الله .
ومن مؤلفاته التي تُعَد بنحو الثلاث والأربعين مؤلفاً :-
1- الكمال في معرفة الرجال (رجال الكتب الستة ) في عشر مجلدات وهو معجم مطول لأسماء رجال الحديث، ذكر فيه ما اشتملت عليه كتب الحديث والسنة من أسماء الرجال ورتبها على الهجاء.
2- المصباح في عيون الأحاديث الصحاح . في 48 جزءاً ، ويشتمل على أحاديث الصحيحين .
3- نهاية المراد من كلام خير العباد .
4- اليواقيت.
5- تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين .
6- الآثار المرضية في فضائل خير البرية ، أربعة أجزاء .
7- الروضة ، في أربع أجزاء .
8- الذِّكر ، جزءان .
9- الأسرار ، جزءان .
10- التهجد ، جزءان .
11- الفرج ، جزءان .
12- تحفة الإمام أحمد ، ثلاثة أجزاء .
13- ذم الرياء.
14- ذم الغيبة .
15- فضائل عاشر ذي القعدة .
16- فضائل مكة ، أربعة أجزاء .
17- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
18- فضائل رمضان .
19- فضائل الصدقة .
20- الترغيب في الدعاء والحث عليه،(مخطوط ، وقد تم تحقيقه بعون الله تعالى وإصداره عام 2005م).
21- فضائل الحج .
22- فضائل رجب .
23- وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
24- الأقسام التي أقسم بها النبي .
25- كتاب الأربعين .
26- كتاب الأربعين من كلام رب العالمين .
27- كتاب الأربعين بسند واحد .
28- كتاب الأربعين ، كتاب آخر غير ما تقدم.
29- اعتقاد الإمام الشافعي .
30- الحكايات ، سبعة أجزاء .
31- أحاديث وحكايات ، وكان يقرأها في المجالس وتزيد عن المائة جزء.
32- غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ ، مجلدين .
33- الجامع الصغير لأحكام البشير النذير ، لم يتمه .
34- كتاب على صفة من صبر ظفر ، خمسة أجزاء ولم يتمه .
35- ذكر القبور .
36- مناقب عمر بن عبد العزيز ، وكلها بالأسانيد .
37- الأحكام على أبواب النفقة ، ستة أجزاء .
38- العمد في الأحكام مما اتفق عليه البخاري ومسلم ، جزءان .
39- درر الأثر على حروف المعجم ، تسعة أجزاء .
40- الدرة المضيئة في السيرة النبوية ، سيرة النبي محمد عليه السلام .
41- الاقتصاد في الاعتقاد .
42- النصيحة في الأدعية الصحيحة .
43- تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة، وهو نقد لكتاب أبي نعيم الأصبهاني .
وهو أعلم من "الدارقطني" (11) و "الحافظ أبي موسى"(12) كما جاء في ترجمته. تزوج ابنة ابن خالته الشيخ أبي عمر بن قدامه، وهو إبن عمر" تقي الدين أبو عبد الله يوسف بن عبد المنعم" أول من نزل نابلس من الجعافرة الهاشميين .
حدّث الحافظ عبد الله أبو موسى ابن الحافظ عبد الغني قال:-مرض والدي رحمه الله في ربيع الأول سنة 600هـ مرضاً شديداً منعه من الكلام والقيام واشتد به ستة عشر يوماً ، وكنت كثيراً ما أسأله : ما تشتهي ؟ فيقول : أشتهي الجنة … أشتهي رحمة الله . فلما كان يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول جئت إليه ، وكنت كعادتي أبعث من يأتي صباح كل يوم بماء حار من الحمام نغسل به أطرافه ، فلما جئنا بالماء على العادة مد يده ، فعرفت أنه يريد الوضوء ، فوضأته وقت صلاة الفجر، ثم قال :- يا عبدالله قم فصلِّ بنا وخفف ، فقمت فصلبت بالجماعة وصلى معنا جالساً.
فلما انصرف الناس جئت فجلست عند رأسه وقد استقبل القبلة فقال:-اقرأ لي عند رأسي سورة يس ، فقرأتها ، فجعل يدعو الله وأنا أؤَمِن ، ثم قلت : هاهنا دواء قد عملناه فاشربه ، فقال : يا بني لم يبق إلا الموت ، فقلت: ما تشتهي شيئاً ؟ قال:- أشتهي النظر إلى وجه الله تعالى ، فقلت : ما أنت عني راضٍِ ، قال : بلى والله أني عنك راضٍِ وعن أخواتك ، وقد أجزت لك ولإخوتك ولابن أختك إبراهيم ، وأوصاني عند موته :- لا تضيعوا هذا العِلم الذي تعبنا عليه ، ويعني الحديث ، فقلت:- ما توصي بشيء ؟، قال:- ما لي على أحد شيء ، ولا لأحد عليّ شيء . قلت:- توصيني بوصية ؟، قال:- يا بني أوصيك بتقوى الله والمحافظة على طاعته. وما زال يحرك شفتيه بذكر الله ويشير بعينيه، فقمت لأناوله كتاباً من المسجد فرجعت وقد خرجت روحه إلى بارئها ، وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 600هـ ، وبقي ليلة الثلاثاء بالمسجد حتى اجتمع عليه من الغد الخلق الكثير من الأئمة والأمراء ما لا يحصيهم إلا الله ، ثم دفناه يوم الثلاثاء بالقرافة مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق في مكان كان يزوره ويبكي فيه إلى أن يبتل الحصى، ويقول:- قلبي يرتاح إلى هذا المكان، رحمه الله ورضي عنه.
وللحافظ ولده الشريف العز(عزالدين أبو الفتح) محمد بن الحافظ عبدالغني بن عبدالواحد بن علي بن سرور ولد سنة 566هـ1171م، وكان حافظاً ديِّناً ورعاً تقياً زاهداً، توفي في دمشق سنة 613هـ1217م رحل إلى بغداد صغيراً طلباً للعلم، ثم ذهب إلى أصفهان ثم عاد الى دمشق يتابع تحصيله، وهناك كانت له حلقة للدرس بدمشق، وكان موصوفاً بحُسن قراءة القرآن الكريم وجودة حفظه وفهمه ديّناً ورعاً زاهداً، وله أيضاً ولده الحافظ (جمال الدين) أبوموسى عبدالله (13) ، وأبو سليمان عبدالرحمن، وجلهم من العلماء المشهورين رحمهم الله تعالى.
وكان لإبراهيم عمادالدين أبو اسحاق أخ الحافظ عبدالغني بن عبدالواحد عقباً، وهو قاضي القضاة أبو بكر شمس الدين(14) محمد بن عماد الدين أبو اسحاق إبراهيم المذكور، ولد يوم السبت 14 صفر سنة 603هـ، إمام محدث بيت المقدس تفقه على يد علماء دمشق وبغداد ثم انتقل إلى مصر حيث أفتى ودرَّس واشتغل وبقي فيها إلى أن توفي رحمه الله سنة 676هـ، عظم شأن هذا الشيخ الشريف الجليل في مصر حتى أن الظاهر بيبرس لما عين لكل مذهب قاضياً خاصاً في مصر سنة660هـ عهد بقضاء المذهب الحنبلي إلى محمد بن إبراهيم المذكور، فكان أول من ولي القضاء بهذا المذهب من الهاشميين في مصر.
ومما يذكر عنه أن أحدهم بعث يشكوه للظاهر قائلاً انه يبغض السلطان ويتمنى زوال ملكه؛ كما ذكر أشياء قادحة فيه ، فبعث السلطان بالشكوى إلى الشيخ الذي أقسم أنه ما جرى منه شيء وأن الذي قدّم الشكوى هو خادمه، وكان قد طرده من خدمته لسوء فعاله، فقال له السلطان " لو شتمتني فأنت حِلْ "، وأمر بضرب الخادم مائة جلده، وقد عُرف رحمه الله بأنه كان سيداً صدراً من صدور الإسلام مبحراً في العلوم زاهداً في الدنيا وتوفي في محرم سنة 676هـ.
أما عبد المؤمن بن سرور فله عقب في ولد الشيخ سعيد بن فلاح بن أبي الوحشة سعيد بن محمد بن سعيد بن عبد المؤمن بن سرور الجعفري الهاشمي وهو متصوف صالح وعالم محدث ولد سنة 658هـ (1260م) في إحدى قرى نابلس وتوفي سنة 743هـ (1343م).
(2) أصل الكلمة هو رافع بالراء وهو الصحيح في الأصل وليس نافع بالنون .
(3) وأصلها جماعيل باللام، وجماعين بالنون هي في لغة أهلها، وهي إحدى القرى قرب بلدة نابلس بفلسطين.
(4) ترجمته في شرح عمدة الأحكام ص 7-8-9-10-11-12 كما في تذكرة الحفاظ - وطبقات الحنابلة - والبداية والنهاية - وشذرات الذهب - ومعجم البلدان، وسير أعلام النبلاء والنجوم الزاهرة، والعبر في أخبار من غبر، وغيرها.
(6) ترجمته في أحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام ص 8 .
(8) حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي، ج1، ص205- لب اللباب ص 1/211- بلادنا فلسطين ص472 – النجوم الزاهرة 6/185/ شذرات الذهب 6/561 – 562/ تراجم أعلام نابلس ص14، 15.
(11) هو علي بن عمر بن احمد أبو الحسن البغدادي توفي سنة 358هـ وهو فقيه محدث.
(12) هو أبو موسى المريني شيخ الإسلام محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى الأصبهاني توفي سنة 581هـ .
(13) أحكام الأحكام ص12، وترجمة والده في أعلام نابلس ص20 وشذرات الذهب والنجوم الزاهرة وبلادنا فلسطين.
(14) موسوعة بلادنا فلسطين ، ج9، ق2، ص250.
السيد الشريف عبدالمنعم بن نعمة بن سلطان
هو (1) الشيخ الإمام عبد المنعم الملقب بفخرالدين بن الجمال أبو الفرج نعمة الله بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري الهاشمي القرشي ، ومولده في نحو نهاية القرن الخامس الهجري أي نحو 480 هـ .
وأعقب من ولديه شرف الدين عبد الرحمن وكان اماماً محدثاً وشاعراً بنابلس، ويوسف تقي الدين أبو عبد الله وهو إمام وفقيه على المذهب الحنبلي انقطع عقبه في ولده عبد الحليم الذي توفي سنة 737هـ1336م وأعقب أخيه .
ولعله (2) أول من أم جامع الحنبلي (الجامع الغربي) الذي بنابلس ولد سنة 568 أو 560 هـ تقريباً ببيت المقدس، وقد دعي الجامع باسمه هذا منذ القرن السابع للهجرة نسبة للحنابلة من الهاشمين الجعافرة والذين تولوا الإمامة فيه منذ ذلك الوقت وبقي وقفاً لهم ، وقد بقي الإمام شمس الدين عبد الله بن محمد بن يوسف هذا اماماً فيه مدة سبعين سنة، وما زالت على منبره حتى اليوم الكتابة التالية :- "تجدد بناء هذا المسجد وتشرف بالشعرات المحمدية بأمر الخليفة السلطان محمد رشاد خان الخامس نصره الله سنة 1330هـ". وقد حفظت الشعرات الطاهرات والتي جلبت من الآستانة في ذلك الحين في خزانة خاصة موضوعة على يمين المحراب إلى اليوم، وقد سمع الحديث بدمشق من جماعة وتفقه وحدّث، وهو إبن عم الامام الحافظ عبدالغني المقدسي، توفي رحمه الله في العاشر من ذي القعدة سنة 638هـ بنابلس.
وتعرف أعقاب السيد الشريف عبد المنعم الجعفري باسم آل هاشم، وآل الحنبلي وآل النقيب، وقد خرج منهم علماء وفقهاء كثيرون من أشراف هذه السلالة الجعفرية الهاشمية. فقد ذكر التاريخ هذه العائلة الجعفرية الهاشمية بالشهرة المستفاضة الضاربة في عمق التاريخ بسيرة أجدادهها العلماء والفقهاء تيجان العلم وأصفياءه ونقباء السادة الأشراف كابرا عن كابر لا يزيغ عن معرفتهم إلا ضال.
أعقب(3) الشريف تقي الدين الآتي ذكره، ولده محمد، ومن ولده شيخ الحنابلة بنابلس الشريف شمس الدين عبد الله المار ذكره بن محمد بن تقي الدين، ولد سنة 649هـ – 1251م وتوفي سنة 737هـ – 1327م، وكان رجلاً خبيراً مباركاً حسن السمت فصيح العبارة كثير العبادة والتلاوة منقطعاً عن الناس، أمَّ مسجد الحنابلة في نابلس نحو سبعين سنة وكان فقيهاً مفتياً(4) حضر على خطيب مردا وسمع من عم أبيه جمال الدين عبد الرحمن بن عبد المؤمن، وأخيه إبراهيم بن محمد المذكور، ولعبد الله بن محمد ايضاً ولده احمد بن عبد الله وقد سمع الحديث من ابن القواس وغيره بدمشق، وبنابلس من الحافظ بن بدران وغيره وتوفي سنة 738هـ 1337م.
وأعقب ولده الشريف شرف الدين عبد الرحمن وكان إماماً فقيهاً ومحدثاً وله ثلاثةً من الولد: الشريف فخر الدين علي، والشريف شمس الدين أبو عبد الله عثمان، والشريف شهاب الدين احمد أبو العباس.
توفي الشريف شهاب الدين أحمد سنة 697هـ – 1298م، وله ولد اسمه عبد الرحمن، أما فخرالدين علي فتوفي بنابلس سنة 703هـ – 1304م، سمع الحديث من إبن الجمزي والبخاري من وزيره. وأما شمس الدين أبو عبدالله عثمان فهو صاحب الكرامات الظاهرة في حياته وبعد وفاته، توفي بنابلس ومقامه مشهور يستجاب عنده الدعاء، أعقب من ولده الشريف الشرف أبو حاتم عبدالقادر، وكان إماماً محدثاً، ومن ولده الإمام شيخ الإسلام الشريف شمس الدين محمد المعروف بـ " الجنة" صاحب التصانيف وأمه هي العالمة مريم ابنة عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم المذكور وهذا له الإمام شرف الدين عبدالقادر سمع الحديث وأجاز له إبن عقيل في ترجمته للحافظ السخاوي، وشرف الدين عبدالقادر هذا له قاضي القضاة بدرالدين أبو عبدالله محمد السيد الشريف والعالم العلامة الذي خصه بالذكر مخطوط النسب الكبير لدى العلامة علي بن الحسن الحسيني النسابة.
ولشمس الدين الجنة ولده أحمد الفقيه المفتي وله تصنيف في التعبير ذكره ابن حجر العسقلاني وقال: " لقيته بنابلس وقرأت عليه المستجاد في تاريخ بغداد " (5) .
(1) الروض المعطار، ص19.
(2) الأنس الجليل، ج2، ص257 ، وثيقة مشجر النسب الشريف ، بلادنا فلسطين 2ص 130 .
(3) تراجم أعلام نابلس ص 22- شذرات الذهب 7/349- بلادنا فلسطين 2/130 – الدر الكامنة 2/411.
(4) الأنس الجليل ص 257- تراجم أعلام نابلس ص 25-27/ الدرر الكامنة 1/ 196.
(5) الضوء اللامع 2/138 ، أعلام فلسطين 1/270
السيد الشريف شمس الدين محمد ( الجنة ) بن عبدالقادر
هو الإمام أبو عبدالله شمس الدين محمد (الجنة) (1) بن عبد القادر بن عثمان بن عبدالرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري الهاشمي القرشي.
وهو شيخ الإسلام جنة العلم وبهاء العصر في نابلس من فقهاء المذهب الحنبلي، تتلمذ على يد والدته (مريم) إبنة عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن بن فخرالدين عبدالمنعم بن نعمه واخذ منها وعلى علماء نابلس مثل عبدالله بن محمد بن يوسف ثم رحل إلى دمشق، وهو إمام علامة وانتهت إليه مشيخة العلم والقراءة في بلاده، ثم صحب العالم الكبير ابن قيم الجوزية وتفقه على يديه وقرأ عليه تصانيفه وتصدر للتدريس والافتاء، وقد عُرف بالجعفري، وعَظُم أمره وشأنه، وكان يلقب بالجنة صاحب التصانيف لما لديه من العلم والفضائل ما تشتهيه الأنفس، ودرّس وأفتى لما وصل إليه أبهة العلم والفقه، ولد بنابلس سنة 727هـ – 1327م وأصيب في آخر عمره بوفاة ولده الشريف شرف الدين عبدالقادر قاضي القضاة الحنابلة بدمشق شاباً عن نحو 46 سنة، فتوفي عن نحو70 عاماً بنابلس سنة 795هـ – 1393م وقيل 797هـ(2) - 1395م وأبوه عبدالقادر بن عثمان بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم بن نعمة ولد سنة 699هـ 1300م بدمشق.
وللجنة مؤلفات جمّا في أصول الفقه وأمور الدين، منها :-1-"طبقات الحنابلة " اختصره من كتاب "طبقات الأصحاب" لابن أبي يعلى ،2- ومختصر كتاب " العزلة" للخطابي ، 3- وكتاب" تصحيح الخلاف " (3) بالفقه والآداب الشرعية،4- ومجمع البحرين، لم يتمه.
أعقب ولدين وبنت :- قاضي القضاة الإمام شرف الدين عبدالقادر، والفقيه أحمد، والعالمة الفقيهة شهود(4) . ولولده قاضي القضاة شرف الدين عبدالقادر ابنه الشريف العلامة أبو عبدالله بدرالدين محمد الذي أعقب ثلاثاً من الولد منهم قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد، وله عز الدين، وبهاء الدين أبو العز الذي أعقب ثلاثاً من الولد وهم: الشريف محمد، والشريف بدر الدين، والشريف كمال الدين.
أما الإبن الثاني لأبي عبدالله بدرالدين محمد فهو الشريف الزين عبدالباسط، أما الثالث فهو الشريف برهان الدين إبراهيم بن أبوعبدالله بدر الدين محمد بن شرف الدين عبدالقادر وله اربعاً من الولد وهم: الشريف فخر الخطباء والمصنفين النجم يوسف، والشريف جمال الدين محمد، وعمدة العلماء الكرام الشريف محب الدين محمد، والشريف المحب أبو الفضل إبراهيم وقد طلب العلم صغيراً ثم سافر القاهرة وقرأ على السخاوي صحيح البخاري وعاد لبيت المقدس يدرس ويفتي ويفيد وكان حيا سنة 888هـ – 1483م(5) ، وأعقب محب الدين محمد، من ولده الشيخ شمس الدين وعقبه في فرعين منيفين فيهما العدد والشرف، وسنأتي على ذكر عقبهما المبارك بالتفصيل إن شاء الله.
ومنهم إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابواسحق الهاشمي الجعفري ولد سنة740هـ1339م وسمع على فضلاء وعلماء عصره وأجاز له خلق، وسمع وحدث عنه الأئمة والعلماء، عمل بالعطارة وتوفي بنابلس(6) سنة824هـ1421م وأخيه علي بن محمد بن ابراهيم الجعفري ولد سنة762هـ1361م درس الفقه على شيوخ زمانه وولي القضاء بنابلس وكان أحد أئمة الحديث في زمنه وتوفي سنة818هـ1415م بنابلس (7) .
السيد الشريف عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمه
هو(1) الإمام عبد الرحمن شرف الدين بن عبد المنعم بن الجمال أبو الفرج نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري الهاشمي القرشي.
وهو فقيه حنبلي وإمام محدث وشاعر، ولد يوم عاشوراء سنة 594هـ – 1198م في نابلس وتوفي فيها في ذي القعدة سنة 656هـ – 1258م، وقد سمع من علماء عصره في نابلس ودمشق القدس ، وكان واسع العلم محدثاً فاضلاً.
وله من الولد:- 1- الشريف شهاب الدين أبوالعباس احمد(2) بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم بن جمال الدين نعمه، وهو مقرىء وفقيه حنبلي ولد سنة 628هـ – 1231م بنابلس وتفقه بها وسمع من عمه التقي يوسف، ثم رحل إلى مصر ودمشق في طلب العلم وقد سمع عنه ابن الجوزي وغيره من العلماء، وقالوا عنه أنه فقيه وإمام وعالم لا يدرك شأوه في علم تعبيرالرؤيا وكان يلقب بالعابد أو(العابر) وله مصنف كبير في العلم سماه "البدر المنير" توفي سنة697هـ ـ 1298م في دمشق.
2- الشريف الإمام فخر الدين أبو الحسن علي(3) بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم الحنبلي ولد سنة 623هـ – 1226م وقيل سنة630هـ –1233م بنابلس سمع من علمائها، اشتغل بالتدريس والإفتاء بنابلس مدة أربعين سنة، عُرف بصلاحه وورعه وتواضعه وشجاعته، توفي في محرم سنة 702هـ ـ 1302م بنابلس وكانت جنازته حافلة، وقد سمع الحديث من إبن الجمزي والبخاري من وزيره أعقب ولده إبراهيم من علماء وشيوخ الحنابلة وفقهائها عاش بدمشق وتوفي فيها سنة737هـ – 1337م(4) .
3- الشريف شمس الدين أبو عبدالله عثمان صاحب الكرامات الظاهرة في حياته وبعد وفاته بنابلس(5) ومقامه مشهور يستجاب عنده الدعاء وقد ذكرته سابقاً. أما أحمد شهاب الدين بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم فأعقب من إبنه عبدالرحمن ابنته مريم(6) بنت عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم بن نعمه بن سلطان بن سرور وتدعى (ام محمد " ست القضاة") وهي مسندة حنبلية محدثة بنابلس ودمشق وغيرها ولدت سنة 691هـ – 1292م وماتت بنابلس سنة 758هـ – 1357م وهي والدة شمس الدين محمد المتوفي سنة 797هـ بن عبدالقادر بن عثمان بن عبدالرحمن الجعفري، وزوجة الإمام المحدث الشرف أبو حاتم عبدالقادر بن عثمان بن عبدالرحمن الجعفري، وابنتها هي شهود بنت عبدالقادر بن عثمان بن شرف الدين عبدالرحمن بن عبدالمنعم بن نعمه، وهي من الصالحات والعالمات بنابلس ومن نساء القرن الثامن الهجري سمعت من عبدالله بن محمد بن نعمة وسمع منها البرهان الحلبي . ومنهم من جهة الأم:- المحدثة زينب بنت عبد الرحمن بن موفق الدين أبو عمر محمد بن قدامة وأبيها ابن خالة العلامة الحافظ عبد الغني ابن عم العلامة تقي الدين أبو عبد الله يوسف، أخذت علمها من احمد بن عبد الدائم وابيها وغيرهما واخذ عنها جماعة من علماء أفاضل توفيت سنة 739هـ 1338م(7) ، وأختها هي فاطمة بنت عبد الرحمن ، دينة عابدة صالحة توفيت في شعبان سنة 685هـ (8) .
وهناك أقوال كثيرة تذكر أكثر من عشرين عالمة وفقيهة من النساء الهاشميات من نسل الشهيد جعفر الطيار، وهنّ متفقهات متدينات وكن يقطعن الفتوى في عصرهن، وللأسف لم تقع يدي على تفاصيل أكثر من ذلك عنهن أو أسمائهن ، وهن موجودات في بطون الكتب .. وذلك يحتاج للمزيد من البحث المضني لاستنباطهن من المراجع والأَثبات واستخراج حقائق تاريخية هامّة اختفت .. لعل الله يقضي بما كان به مفعولا. ولكن هناك سبعة منهم ذكرهن ابن العم نسابة الاحساء السيد الشريف أحمد بن عبداللطيف الجعفري الطيار في كتابه (السادة الأشراف الجعفريون الطيارون في نابلس وجماعيل) وقد صدر عام 2002م-1423هـ ، وهن : خديجة بنت محمد بن العماد إبراهيم بن عبدالواحد ، وزبيدة بنت نجم الدين بن محمد بن نجم الدين الجعفري، وزينب بنت يوسف بن عبدالله بن محمد العفيف ، ومريم بنت عبدالرحمن، وسناء بنت عبدالقادر بن عثمان بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم، وأختيها شهود بنت عبدالقادر ، وفاطمة بنت عبدالقادر.
(1) الروض المعطار، ص19، وفي بلادنا فلسطين اسمه جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ص131، تراجم أعلام مدينة نابلس ص10 -13، والصحيح شرف الدين عبد الرحمن، وربما له كنيتين فلاحظ – لان جده يكنى بالجمال (جمال الدين) ابو الفرج نعمه ولعله كني بكنية جده ايضاً او نقل خطأ والله أعلم .
(2) بلادنا فلسطين ، ص133- تراجم أعلام نابلس ص10 – شذرات الذهب 7/764 وفيه مات سنة699 – فوات الوفيات ص87- الأعلام 1/147 – معجم النابهين 155.
(7) تراجم أعلام نابلس ص33 فيه نظر - أعلام النساء 2/77 ، 4/67 - بلادنا فلسطين476، 473، وهي بنت عبدالرحمن بن أبي عمر محمد بن قدامة ، وأبو عمر محمد هو ابن عم العلامة تقي الدين أبو عبدالله يوسف بن عبد المنعم وإبن خالة العلامة الحافظ عبدالغني الجعفري –الأنس الجليل ص257.
السيد الشريف تقي الدين بن عبد المنعم بن نعمة
هو(1) الإمام العلامة تقي الدين أبو عبدالله يوسف بن عبدالمنعم بن الجمال ابو الفرج نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري الهاشمي القرشي.
وهو فقيه حنبلي ولد سنة586هـ 1190م ببيت المقدس، تفقه بدمشق وولي الإمامة بالجامع الغربي بنابلس حيث كان أول من نزلها من الهاشميين الجعافرة وتوفي في10ذي القعدة سنة 638هـ – 13 أيار1241م بنابلس ودفن فيها.
أعقب(2) من الولد: السيد الشريف محمد ويعرف بالعفيف الذي ولد السيد الشريف شمس الدين عبد الله أبو محمد سنة 649هـ (3) وتوفي شمس الدين عبد الله سنة 737هـ (1251م – 1337م). وكان شيخ الحنابلة في نابلس وكان رجلاً مباركاً إماماً فقيهاً علامة نقيب الأشراف الجعافرة، حسن السمت، فصيح اللسان قوي العبارة كثير العبادة والتلاوة ومنقطعاً عن الناس أمّ مسجد الحنبلي نحو سبعين سنة وقد سبق وذكرناه.
وله (4) ايضاً الشريف إبراهيم بن محمد بن يوسف وولد سنة658هـ –1259م من بيت علم وصلاح اشتغل بطلب العلم واخذ من علماء بمصر واصبح اماماً محدثاً بنابلس ودمشق وتوفي بالقدس سنة 735هـ 1334م، وقد ذكر السخاوي أن له ولد اسمه محمد، وذا له:- البرهان إبراهيم أبو اسحق والعلاء أبو الحسن علي ، وأقول أن في ذلك أخطأ ، فالعلاء أبو الحسن علي هو ابن محمد بن برهان الدين ابراهيم بن عمادالدين بن ابراهيم بن شهاب الدين بن شمس الدين محمد النقيب بن مصطفى النقيب وسنأتي على ذكره لاحقاُ وليس ماتقدم وذكره السخاوي نظراً لتشابه في بعض أسماء آباءه، ولربما هو رجل آخر غير ما تقدم والله أعلم.
وله أيضا يوسف بن عبدالله بن العفيف محمد بن يوسف المذكور وولد سنة 691هـ1291م وسمع من عبدالحافظ بن بدران والتقي بن سليمان ودرس وأفتى ونفع الناس وتوفي سنة 754هـ1353م قال عنه ابن كثير:-" كان من العبّاد الورعين كثير التلاوة وقيام الليل والأمر بالمعروف ، درس وأفتى ونفع الناس". وقد جاء في الوفيات لابن رافع أن له ابناً اسمه زين الدين عبد الحليم ولم يرد له عقب.
السيد الشريف عثمان بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة
هو(1) الإمام شمس الدين أبو عبد الله عثمان بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمه بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري الهاشمي القرشي.
وهو الإمام والشيخ الكبير صاحب الكرامات الظاهرة في حياته وبعد وفاته، توفي بنابلس ومقامه مشهور يستجاب عنده الدعاء، وأحد نقباء الأشراف الجعافرة.
وفي ترجمة أخرى لشمس الدين:- أنه ولد سنة 630هـ1232م بقرية مردى بنابلس ، وتلقى تعليمه فيها ثم بدمشق وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ، وكان بارعا بالدراسات العربية واللغة واشتهر بالتدريس والإفتاء وينظم الشعر وله مؤلفات عدة، توفي بنابلس ومقامه مشهور.
أعقب من ولده الشريف الشرف أبو حاتم عبدالقادر(2) وكان إماماً محدثاً أعقب من ولده الإمام المحدث الشرف أبو حاتم عبد القادر ولداً وبنتاً(3) وهي شهود بنت عبد القادر المذكور من العالمات المجيدات وهي حنبلية المذهب من نساء القرن الثامن الهجري ، ولها أختين عالمتين هن سناء وفاطمة، ذكرتهم سابقاً ، وأخوهن هو الشريف الإمام شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالقادر بن عثمان ، وآخر علامة فقيه اسمه أحمد.
السيد الشريف عبدالقادر بن محمد بن عبدالقادر بن عثمان
وكان من أهل العلم والفقه والنقابة، وعمل قضاياً للقضاة في دمشق في حياة أبيه شمس الدين حيث ولد نحو 747هـ ، وتوفي بدمشق سنة 793هـ - 1391م قبل والده بسنتين وقيل بأربع وله من العمر نحو 46سنة، سمع الحديث وأجاز له إبن عقيل ترجمة الحافظ السخاوي.
أعقب ولده الشريف الشيخ بدرالدين أبو عبدالله محمد قاضي القضاة والفقيه العلامة نقيب الأشراف وأحد أعيانهم الكرام في عصره وله إبراهيم، قال السخاوي سمع عليّ بعض الكتب الستة وغيرها، وكتب مجلساً من الأمالي وولي قضاء بيت المقدس وغيره، وأخيه احمد بن محمد الفقيه المفتي له تصنيف في التعبير قال عنه ابن حجر العسقلاني لقيته بنابلس فقرأت عليه المستجاد في تاريخ بغداد.
(1) الروض المعطار ص20، تراجم أعلام نابلس ، المشجر الكشاف .
السيد الشريف بدر الدين محمد بن عبدالقادر
هو(1) الإمام قاضي القضاة أبو عبدالله بدرالدين محمد بن عبدالقادر بن محمد بن عبدالقادر بن عثمان بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري الهاشمي القرشي.
ولد في سنة791هـ وقيل 792هـ – 1389م قبل وفاة والده بسنة أو اثنتان، ونشأ على طريقة حسنه وهو من بيت علم ورئاسة في نابلس، سمع الحديث من جِدّه صغيراً وابن العلالي وجماعة من علماء نابلس وفضلائها واشتغل بالعلم والأدب، تولى القضاء وكان قاضياً للقضاة درّس في نابلس واشتغل بالعلم وباشر القضاء فيها بعد سنة 840هـ ثم أضيف اليه قضاء القدس بعد عزل القاضي شمس الدين العليمي قبل سنة850هـ وبعد سنة 864 – 866 حيث باشر قضائها مرتين ثم ولي قضاء الرملة، وولي نيابة الحكم بالديار المصرية، وكان حسن السيرة عفيفاً مهيباً عند الناس عليه الأبهة والوقار ونورانية العلم والتقوى، وعَمَّر ورُزق الأولاد والأحفاد وتوفي بنابلس(2) يوم الخميس لستة عشرة ليلة خلت من رمضان سنة 889هـ –1484م وعمره تسعون سنة ونيفاً وله عدة أولاد. وأعقب ولده قاضي القضاة الزين(زين الدين) عبدالباسط(3) الذي قرأ على السخاوي وقد استقر في قضاء القدس الشريف والخليل والرملة ونابلس بعد أخيه قاضي القضاة الشريف كمال الدين محمد أبو الفضل وكان ذلك يوم الثلاثاء الثاني عشر من شعبان سنة 885هـ، وقاضي القضاة برهان الدين إبراهيم، وله بنت(4) اسمها ست الملوك تزوجها الشيخ الصالح القدوة خليل بن علي الصمادحي، فأولد منها ولداً وبنتاً وهم:- محمد، وزين المشايخ، وهذه تزوجها مسلم بن يوسف الصمادحي وله منها:- عبدالقادر ويوسف وعبدالرحيم، أما محمد بن ست الملوك له أولاد وبنات، وعبدالقادر بن زين المشايخ :- قديم وخليل، ومحمد وعيسى وزين المشايخ وخولة. ومنهم عبدالوهاب بن احمد بن محمد بن عبدالقادر المذكور وكان من أهل الفضل من بيت علو ورئاسة، تولى قضاء الحنابلة بنابلس حتى توفي سنة 842هـ – 1438م (4) .
(1) الروض المعطار ، ص20، بلادنا فلسطين ، ص141 – الضوء اللامع – الأنس الجليل267 – شذرات الذهب 9: 498 مختصر طبقات الحنابلة ص75.
(2) مختصر طبقات الحنابلة ص76- الأنس الجليل لمجير الحنبلي ج2ص 267، وفي المشجر الكشاف أنه توفي في 889هـ .
(3) الأنس الجليل ج2، ص323.
(4) الروض المعطار ص20 ، وثيقة مشجر مخطوط .
(4) تراجم أعلام نابلس ص63 – شذرات الذهب 7: 245.
السيد الشريف برهان الدين محمد بن عبدالقادر
وهو (1)الإمام برهان الدين إبراهيم بن بدرالدين محمد بن عبدالقادر بن شمس الدين محمد بن عبدالقادر بن شمس الدين عثمان بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري القرشي الهاشمي.
هو قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم فإنه تولى قضاء نابلس وبيت المقدس وغزة، له أربعة أولاد نجباء المار ذكرهم: عمدة العلماء الكرام قاضي القضاة محب الدين محمد ، الشريف جمال الدين محمد، وفخر الخطباء والمصنفين النجم يوسف ، والمحب أبو الفضل ابراهيم، والاخير قرأ البخاري على السخاوي ورجع إلى بيت المقدس سنة 888هـ ، وأعقب محب الدين محمد من ولده الإمام العلامة شمس الدين أبوعبدالله محمد وعقبه في فرعي ولديه:- السيد الشريف خيرالدين أبوالخير، والشريف محي الدين محمد وفيهم العقب والعدد والشرف كما سيأتي.
(1) الروض المعطار ص20، وثيقة مشجر مخطوط ، والمشجر الكشاف ص259.
السيد الشريف كمال الدين محمد بن بدر الدين محمد
هو (1) قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن بدرالدين محمد بن عبدالقادر بن محمد بن عبدالقادر بن عثمان بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم المقتول بن إسماعيل بن الأمير جعفر السيد الأغر الجعفري الهاشمي القرشي.
ولد سنة 833هـ -1430م بنابلس وكان قاضياً للقضاة، قدم القاهرة فأخذ عن الغر الكناني الحنبلي وغيره، درس وتفقه وبرع ثم رحل إلى دمشق ثم القاهرة في طلب العلم(2) ، وأذن له الشيخ علاء الدين المرداوي في الإفتاء والتدريس سنة 851هـ وتميز وأفتى وناظر، فغدا من أعيان المذهب ومن أكابر الهاشميين الجعافرة، وولي قضاء نابلس نيابة عن والده ثم قضاء بيت المقدس والرملة سنة 873هـ ونيابة الحكم بمصر، توفي في سنة 898هـ – 1484م بالإسكندرية. سمع على السخاوي ترجمة السخاوي ، له بهاء الدين أبو السعد محمد وسمع على السخاوي ، وعزالدين وإناث، ولمحمد بهاء الدين ثلاثة أولاد: السيد محمد، والسيد بدرالدين، والسيد كمال الدين.